ابن كثير
13
البداية والنهاية
أغلظ الكلام ، فنبرمت منه ، وعملت على قتله ، فراسلت أكبر الامراء ، أمير يقال له ابن داوس ، فتوافقت هي وهو على قتله ودماره ، وتواطئا على ذلك ، فجهز من عنده عبدين ، أسودين شهمين ، وقال لهما : إذا كانت الليلة الفلانية فكونا في جبل المقطم ، ففي تلك الليلة يكون الحاكم هناك في الليل لينظر في النجوم ، وليس معه أحد إلا ركابي وصبي ، فاقتلاه واقتلاهما معه ، واتفق الحال على ذلك . فلما كانت تلك الليلة قال الحاكم لامه : علي في هذه الليلة قطع عظيم ، فإن نجوت منه عمرت نحوا من ثمانين سنة ، ومع هذا فانقلي حواصلي إليك ، فإن أخوف ما أخاف عليك من أختي ، وأخوف ما أخاف على نفسي منها ، فنقل حواصله إلى أمه ، وكان له في صناديق قريب من ثلاثمائة ألف دينار ، وجواهر آخر . فقالت له أمه : يا مولانا إذا كان الامر كما تقول فارحمني ولا تركب في ليلتك هذه إلى موضع وكان يحبها . فقال : أفعل ، وكان من عادته أن يدور حول القصر كل ليلة ، فدار ثم عاد إلى القصر ، فنام إلى قريب من ثلث الليل الأخير ، فاستيقظ وقال : إن لم أركب الليلة ، فاضت نفسي ، فثار فركب فرسا وصحبه صبي وركابي ، وصعد الجبل المقطم فاستقبله ذانك العبدان فأنزلاه عن مركوبه ، وقطعا يديه ورجليه ، وبقرا بطنه ، فأتيا به مولاهما ابن دواس ، فحمله إلى أخته فدفنته في مجلس دارها ، واستدعت الامراء والأكابر والوزير وقد أطلعته على الجلية ، فبايعوا لولد الحاكم أبي الحسن علي ، ولقب بالظاهر لاعزاز دين الله ، وكان بدمشق ، فاستدعت به وجعلت تقول للناس : إن الحاكم قال لي : إن يغيب عنكم سبعة أيام ثم يعود ، فاطمأن الناس ، وجعلت ترسل ركابيين إلى الجبل فيصعدونه ، ثم يرجعون فيقولون تركناه في الموضع الفلاني ، ويقول الذين بعدهم لامه : تركناه في موضع كذا وكذا . حتى اطمأن الناس وقدم ابن أخيها واستصحب معه من دمشق ألف ألف دينار ، وألفي ألف درهم ، فحين وصل ألبسته تاج جد أبيه المعز ، وحلة عظيمة ، وأجلسته على السرير ، وبايعه الامراء والرؤساء ، وأطلق لهم الأموال ، وخلعت على ابن دواس خلعة سنية هائلة ، وعملت عزاء أخيها الحاكم ثلاثة أيام ، ثم أرسلت إلى ابن دواس طائفة من الجند ليكونوا بين يديه بسيوفهم وقوفا في خدمته ، ثم يقولوا له في بعض الأيام : أنت قاتل مولانا ، ثم يهبرونه بسيوفهم ، ففعلوا ذلك ، وقتلت كل من اطلع على سرها في قتل أخيها ، فعظمت هيبتها وقويت حرمتها وثبتت دولتها . وقد كان عمر الحاكم يوم قتل سبعا ( 1 ) وثلاثين سنة ، ومدة ملكه من ذلك خمسا وعشرين سنة ( 2 ) . ثم دخلت سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فيها تولى القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني لحسبة والمواريث ببغداد ، وخلع عليه
--> ( 1 ) في الكامل 9 / 316 ستا وفي مختصر أخبار البشر 2 / 151 : ستا وثلاثين سنة وتسعة أشهر . ( 2 ) في الكامل 9 / 316 : وعشرين يوما . وفي مختصر أخبار البشر 2 / 151 : وأياما